المال لم يعد يتحرك كما كان من قبل.
قبل سنوات قليلة فقط، كانت المعاملات المالية تعني فروعًا مصرفية، وشيكات ورقية، وإجراءات طويلة. اليوم، ندفع ونحوّل ونستثمر بضغطة شاشة. نقسّم فاتورة عشاء خلال ثوانٍ، ونتقدم بطلب قرض عبر تطبيق، وندير أعمالنا من الهاتف المحمول.
التحول لم يكن تقنيًا فقط. كان تحولًا في طريقة التفكير.
كثير من الابتكارات التي غيّرت القطاع المالي لم تأتِ من المؤسسات التقليدية الكبرى، بل من أشخاص نظروا إلى النظام القائم وسألوا سؤالًا بسيطًا: لماذا يتم هذا بهذه الطريقة؟
عندما أصبحت البيانات ميزة تنافسية
في أواخر الثمانينيات، طرح مستشاران شابان فكرة بدت غير مألوفة آنذاك. لماذا لا تستخدم البنوك البيانات والخوارزميات لتخصيص عروض بطاقات الائتمان لكل عميل على حدة؟ بدل منح الجميع الشروط نفسها، يمكن تعديل الفائدة وحدود الائتمان بناءً على السلوك المالي الفعلي لكل شخص.
في ذلك الوقت، كانت معظم البنوك تعتمد سياسة موحّدة. المخاطر تُقاس بشكل عام، لا فردي. الفكرة احتاجت إلى شجاعة من بنك إقليمي اسمه Signet لتجربتها.
البداية لم تكن سهلة. العملاء لم يتدفقوا فورًا، والإدارة كانت مترددة. لكن الأزمة الاقتصادية في أوائل التسعينيات منحت الفريق وقتًا إضافيًا لإثبات جدوى النموذج. وعندما نجحت الاستراتيجية، تغير كل شيء.
هكذا وُلدت Capital One، التي بنت أعمالها على مبدأ بسيط لكنه قوي: الاختبار المستمر. كل عرض، كل فائدة، كل رسالة تسويقية كانت تخضع للتحليل والتجربة. النتيجة لم تكن فقط نموًا سريعًا، بل القدرة على خدمة عملاء تجاهلتهم البنوك التقليدية سابقًا.
قبل أن يُستخدم مصطلح “فنتك”، كانت الفكرة الجوهرية قد وُضعت: البيانات يمكن أن تعيد تعريف الإقراض.
من مشكلة يومية إلى ثورة في المدفوعات
ليست كل الابتكارات تبدأ بخطة استراتيجية كبيرة. بعضها يبدأ بإحباط بسيط.
في عام 2009، واجه صديقان مشكلة معتادة: كيف يمكن تحويل مبلغ صغير لشخص آخر بسهولة؟ تجربة نسيان محفظة دفعت أحدهما لتغطية مصاريف المساء، ثم البحث عن طريقة أسهل للسداد.
من هذه اللحظة وُلدت Venmo.
الفكرة كانت واضحة: يجب أن يكون تحويل المال سهلًا كإرسال رسالة نصية. ما بدأ كتجربة صغيرة تحول إلى جزء من الثقافة اليومية. عبارة “أرسل لي عبر Venmo” أصبحت جزءًا من اللغة الدارجة في الولايات المتحدة.
الشركة كادت أن تفشل بسبب خطأ في نموذج الرسوم، لكن استحواذًا في الوقت المناسب أنقذها، ثم جاء التوسع الكبير بعد انضمامها إلى PayPal.
الأهم من الأرقام هو التغيير السلوكي. جيل كامل أصبح يتعامل مع المال بشكل رقمي واجتماعي وسريع. لم تعد المعاملات الرسمية معقدة أو بطيئة كما كانت.
بنك للمخاطرة المحسوبة
في الثمانينيات، قرر بنك صغير في وادي السيليكون أن يركز على فئة يعتبرها الآخرون عالية المخاطر: الشركات التقنية الناشئة.
هكذا تأسس Silicon Valley Bank.
بينما تجنبت البنوك التقليدية الشركات الناشئة، رأى هذا البنك فرصة للنمو معها. بنى علاقات عميقة مع المستثمرين ورواد الأعمال، وقدم خدمات مخصصة لاحتياجاتهم.
لسنوات طويلة، نما البنك بهدوء. لكن خلال جائحة كورونا، ومع تدفق الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، تضاعفت الودائع بشكل غير مسبوق. هذا النمو السريع رفع مكانته، لكنه كشف أيضًا نقاط ضعف في إدارة المخاطر.
عندما ارتفعت أسعار الفائدة في عام 2023، انخفضت قيمة استثماراته في السندات الحكومية، وبدأت موجة سحب ضخمة للودائع. خلال أيام، انهار البنك.
القصة لا تنفي قيمة التخصص، لكنها تذكّر بحقيقة أساسية: الابتكار لا يعفي من الانضباط في الأساسيات. إدارة المخاطر ليست خيارًا، حتى في أكثر البيئات ابتكارًا.
إعادة تصور التأمين الصحي
في قطاع التأمين، ظهرت قصة مختلفة لكنها تحمل الروح ذاتها.
رائد أعمال واجه صعوبة في فهم نظام التأمين الصحي خلال تجربة شخصية، فقرر أن يعيد تصميمه من منظور المستخدم. هكذا تأسست Oscar Health.
الفكرة لم تكن فقط رقمنة التأمين، بل تغيير طريقة التفاعل معه. تم إدخال حوافز سلوكية، مثل مكافآت على النشاط البدني أو الفحوصات الوقائية. البيانات لم تُستخدم فقط لتسعير المخاطر، بل لتحسين سلوك الأفراد.
الشركة واجهت تحديات تنظيمية وسوقية، لكنها أثبتت أن إعادة التفكير في الحوافز يمكن أن تغيّر تجربة العميل بالكامل.
لماذا ينجح “الخارجون عن المألوف”؟
عند النظر إلى هذه القصص، يظهر نمط مشترك.
الابتكار الحقيقي غالبًا ما يأتي من أشخاص أو فرق لا تتقيد بالافتراضات التقليدية. هم لا يقبلون القواعد كما هي، بل يسألون لماذا ويفكرون كيف يمكن أن تكون الأمور أفضل.
لكن الجرأة وحدها لا تكفي. هذه الشركات نجحت لأنها:
- اعتمدت على البيانات بشكل منظم
- اختبرت أفكارها باستمرار
- تكيفت مع الأزمات بدل أن تنهار أمامها
- ووازنت بين الطموح والانضباط
ما الذي يعنيه ذلك اليوم؟
الفنتك لم يعد قطاعًا محدودًا. أصبح جزءًا من البنية المالية العالمية. من المدفوعات عبر الهاتف في الأسواق الناشئة، إلى منصات الاستثمار الرقمية والعملات المشفرة.
لكن الدرس الأهم يبقى ثابتًا.
التغيير لا يبدأ دائمًا من الداخل. أحيانًا يحتاج القطاع إلى من ينظر إليه من زاوية مختلفة. من يرى في المخاطر فرصة، وفي التعقيد مساحة للتبسيط.
الخدمات المالية لم تتغير فقط لأنها أصبحت رقمية، بل لأنها أصبحت أكثر وعيًا بالبيانات، وأقرب إلى سلوك الإنسان، وأكثر استعدادًا للتجربة.
التحولات الكبرى لا تأتي من تقليد ما هو قائم، بل من إعادة التفكير فيه.
وهذا ما فعله هؤلاء الرواد.



