في بيئة الأعمال اليوم، لا يعاني القادة من نقص في البيانات، بل من فيضٍ منها. التقارير تتدفق باستمرار، ولوحات المؤشرات تتكاثر، وكل جانب من جوانب المؤسسة أصبح قابلًا للقياس. ومع ذلك، ورغم هذا الكم الهائل من المعلومات، لا يزال كثير من القادة يواجهون صعوبة في الوصول إلى رؤية واضحة تساعدهم على اتخاذ قرارات أفضل.
تتضح هذه الإشكالية بشكل أكبر عندما يتعلق الأمر بالموارد البشرية.
بيانات القوى العاملة موجودة في معظم المؤسسات، لكنها غالبًا ما تُستخدم بشكل محدود أو تبقى منفصلة عن القرارات الحقيقية. تُجمع بيانات المهارات، والأداء، والالتزام الوظيفي، والإنتاجية، لكنها نادرًا ما تتحول إلى رؤى تُسهم في صياغة الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، يعتمد القادة على الافتراضات في لحظات كان يمكن فيها للحقائق أن تُحدث فرقًا حقيقيًا.
ومع تزايد تعقيد بيئات العمل، واندماج الموظفين الدائمين مع المتعاقدين، والعمل عن بُعد، واستخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ترتفع تكلفة القرارات غير الدقيقة المتعلقة بالأفراد. في هذا السياق، لم تعد تحليلات القوى العاملة مبادرة إدارية، بل أصبحت ممارسة قيادية أساسية.
في جوهرها، لا تهدف تحليلات القوى العاملة إلى مراقبة الأفراد، بل إلى فهم العلاقة بين القرارات القيادية وسلوك الموظفين وأدائهم ونتائج الأعمال.
تغيير ما نقيسه يغيّر طريقة قيادتنا
لا تزال كثير من المؤسسات تقيس ما يسهل جمعه، لا ما يصنع الفرق فعليًا.
مؤشرات مثل معدل دوران الموظفين، أو إكمال الدورات التدريبية، أو سرعة التوظيف شائعة الاستخدام. ورغم أهميتها، فإنها نادرًا ما تفسر الأداء أو توجه القرار. وعلى عكس الشؤون المالية أو العمليات، لا يُطلب من إدارات الموارد البشرية في الغالب ربط هذه الأرقام بتأثيرها المباشر على نتائج الأعمال.
القيادة القائمة على الرؤية تتطلب تحولًا في طريقة التفكير. فبدل الاكتفاء بسرد ما حدث، يجب على القادة طرح أسئلة أعمق: لماذا حدث ذلك؟ وما الذي يجب تغييره بناءً عليه؟
في مراكز الاتصال مثلًا، لا يكفي معرفة عدد الموظفين الذين حصلوا على توجيه أو إرشاد. الأهم هو معرفة ما إذا انعكس ذلك على جودة الخدمة، ورضا العملاء، واستمرارية الموظفين. هنا فقط تظهر القيمة الحقيقية للمبادرة.
وينطبق الأمر ذاته على التوظيف. فسرعة شغل الوظائف قد تبدو إنجازًا، لكنها لا تعني بالضرورة نجاحًا. النجاح الحقيقي يُقاس بمدى وصول الموظف الجديد إلى الإنتاجية الكاملة، واستمراره في العمل، وقدرته على الإسهام في تحقيق الأهداف على المدى الطويل.
من الملاحظة إلى الفعل
المؤسسات التي تستخدم تحليلات القوى العاملة بفعالية لا تنتظر ظهور المشكلات، بل تسعى إلى استباقها.
عندما واجهت شركة Experian ارتفاعًا في معدلات الاستقالة، لم تكتفِ فرق التحليل لديها بعرض الأرقام. بل قامت بدراسة أنماط متعددة في بيانات الموظفين لتحديد مؤشرات مبكرة لاحتمالية المغادرة. هذا النهج مكّن الإدارة من التدخل بشكل موجّه ومدروس، بدل الاعتماد على حلول عامة. وكانت النتيجة انخفاضًا ملموسًا في معدل الاستقالة وتوفيرًا كبيرًا في التكاليف، إضافة إلى تعزيز دور الموارد البشرية كشريك استراتيجي.
القيمة هنا لا تكمن في النماذج التحليلية بحد ذاتها، بل في وضوح الهدف: دعم القرار قبل وقوع المشكلة، لا تبريرها بعد حدوثها.
بناء الأساس قبل البحث عن الرؤى
لا يمكن لتحليلات القوى العاملة أن تنجح إذا كانت قائمة على أنظمة مجزأة.
في كثير من المؤسسات، تكون بيانات الموظفين موزعة عبر أنظمة متعددة، وبصيغ مختلفة، ومنفصلة عن البيانات المالية أو التشغيلية. في مثل هذا الواقع، يصعب الوصول إلى رؤى ذات معنى مهما بلغت قوة أدوات التحليل.
تحويل البيانات إلى قرارات يتطلب استثمارًا واعيًا. يجب ربط بيانات الموارد البشرية بالبيانات المالية والتشغيلية والتجارية، حتى يتمكن القادة من رؤية الأثر الحقيقي لقراراتهم المتعلقة بالأفراد.
كما أن الحوكمة عنصر لا غنى عنه. فبيانات القوى العاملة حساسة بطبيعتها، وأي استخدام غير منضبط لها قد يضر بثقة الموظفين. الشفافية، والالتزام الأخلاقي، وربط استخدام البيانات بقيمة واضحة للأعمال، كلها عناصر أساسية لاستدامة هذا النهج.
وفي كثير من الحالات، تظهر القيمة الحقيقية عند التعاون بين الإدارات. إحدى شركات التقنية واجهت تحديات في سرعة إنتاجية فرق المبيعات الجديدة. من خلال ربط بيانات الموارد البشرية بالمبيعات، اتضح أن المشكلة تكمن في ضعف برامج التهيئة والتدريب. وبمعالجة هذا الخلل، تحسنت الإنتاجية وارتفعت الإيرادات.
إعادة تعريف دور الموارد البشرية
لا يمكن استخراج القيمة من تحليلات القوى العاملة دون رفع سقف التوقعات من إدارة الموارد البشرية.
كما تطور دور تقنية المعلومات من وظيفة تشغيلية إلى شريك في التحول الرقمي، يجب أن تتجاوز الموارد البشرية دورها التقليدي كمجرد جهة تنظيمية أو داعمة. ينبغي أن تصبح شريكًا استراتيجيًا، مسؤولًا عن نتائج تؤثر مباشرة في أداء المؤسسة.
هذا التحول يغير طريقة عمل فرق الموارد البشرية. فبدل التركيز على الأنشطة، يصبح التركيز على الأثر. وبدل الاكتفاء بعرض الأرقام، يتم تفسيرها وربطها بالقرار.
إحدى شركات الضيافة العالمية عانت من تراجع في رضا النزلاء رغم استقرار الإشغال. وعندما طُلب من فرق الموارد البشرية تحليل الوضع، تبيّن أن نظام التوظيف شجّع الاعتماد المفرط على العمالة المؤقتة، ما أدى إلى ضعف التدريب والانتماء للعلامة التجارية في مواقع الاستقبال. بعد معالجة السبب الجذري، تحسنت تجربة النزلاء وعادت المؤشرات التجارية إلى الارتفاع.
الثقافة هي العامل الحاسم
حتى أفضل أدوات التحليل لن تحقق نتائج دون ثقافة تنظيمية داعمة.
في المؤسسات القائمة على الرؤية، يصبح استخدام البيانات جزءًا طبيعيًا من العمل اليومي. يُتوقع من القادة الاستناد إلى الأدلة، وتشجيع النقاش، وتقبل التعلم المستمر. لا تُستخدم البيانات للرقابة، بل للفهم والتحسين.
الثقة عنصر محوري في هذا السياق. عندما يدرك الموظفون كيف تُستخدم البيانات ولماذا، ويرون تطبيقها بشكل عادل، يرتفع مستوى الالتزام والابتكار.
كما أن انسجام القيادة يضاعف الأثر. إحدى المؤسسات المالية الكبرى واجهت صعوبات في تنفيذ تحول رقمي واسع. وبعد الاستثمار في مواءمة القيادات وتعزيز الثقة، تحسنت مؤشرات الالتزام وحققت المؤسسة أفضل نتائج مالية لها خلال سنوات.
تحليلات القوى العاملة شأن تنفيذي
لكي تحقق تحليلات القوى العاملة أثرًا مستدامًا، يجب أن تحظى برعاية مباشرة من الإدارة العليا.
من دون دعم الرئيس التنفيذي وشريك حقيقي في دور رئيس الموارد البشرية، تبقى هذه المبادرات في إطارها التشغيلي. في المؤسسات الرائدة، يُنظر إلى رئيس الموارد البشرية كشريك متكامل، يعمل جنبًا إلى جنب مع قادة المالية والتقنية والعمليات.
كثير من أنجح قادة الموارد البشرية اليوم يمتلكون خبرات متنوعة خارج الإطار التقليدي، ما يمنحهم فهمًا أعمق للأعمال والبيانات وصناعة القرار.
تجربة مايكروسوفت مثال واضح. فقد أسهم التعاون الوثيق بين الرئيس التنفيذي ساتيا ناديلا ورئيسة الموارد البشرية كاثلين هوغان في إعادة تشكيل ثقافة الشركة، وتعزيز التعلم المستمر، وتحسين أساليب القيادة. وبالاعتماد على البيانات لفهم الالتزام والتعاون، لا للسيطرة، حققت الشركة نموًا مستدامًا وبيئة عمل أكثر مرونة.
الخلاصة
الفكرة الجوهرية للقيادة القائمة على الرؤية بسيطة في ظاهرها، لكنها تتطلب التزامًا حقيقيًا.
بيانات القوى العاملة لا تخلق قيمة تلقائيًا. القيمة تتحقق عندما يطرح القادة أسئلة أفضل، ويتوقعون أكثر من فرقهم، ويبنون ثقافة تُحوّل الرؤية إلى فعل.
المؤسسات التي ستنجح في المستقبل ليست تلك التي تمتلك أكبر كم من البيانات، بل تلك التي تُحسن استخدام ما لديها، وتحوّل الرؤى إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج مستدامة.



