Skip to main content
search

على مدى سنوات، تم الترويج لفكرة أن التحول إلى مؤسسة “قائمة على البيانات” هو الطريق الحتمي للنجاح. اجمع المزيد من البيانات، أنشئ لوحات معلومات أكثر، وظّف محللين أكثر خبرة، واترك للأرقام مهمة اتخاذ القرار.

لكن الواقع في كثير من المؤسسات مختلف تمامًا.

رغم الوفرة غير المسبوقة في البيانات، لا يزال القادة يواجهون صعوبة حقيقية في اتخاذ قرارات أفضل. التقارير تبدو احترافية، ولوحات القياس جذابة، وفرق التحليل مشغولة باستمرار، ومع ذلك لا ينعكس كل ذلك على نتائج ملموسة في الأداء أو النمو. هذه الظاهرة أصبحت شائعة لدرجة يمكن وصفها بـ “مسرح التحليلات”؛ حيث يبدو كل شيء متقدمًا من الخارج، دون تأثير حقيقي في الداخل.

المشكلة ليست في البيانات نفسها،

المشكلة في نقطة البداية.

المؤسسات الناجحة اليوم لم تعد “قائمة على البيانات” فقط، بل أصبحت قائمة على القرار.

ابدأ بالقرار، لا بالبيانات

النهج التقليدي في التحليلات يبدأ بطلب البيانات، ثم يغوص فريق التحليل في التفاصيل، وبعد أسابيع أو أشهر يتم تسليم تقرير متكامل. في كثير من الأحيان، يكون القرار قد اتُّخذ بالفعل، أو تغيّر السياق، أو أصبح التقرير غير قابل للتطبيق.

في النهج القائم على القرار، تنقلب المعادلة.

يبدأ القادة أولًا بتحديد القرار الذي يجب اتخاذه بوضوح، ثم يسألون: ما البيانات التي نحتاجها لدعم هذا القرار؟

هذا التغيير البسيط في الترتيب يُحدث فرقًا جوهريًا في القيمة الناتجة عن التحليلات.

فجوة خفية داخل كل مؤسسة

في معظم المؤسسات، هناك فريقان غير معلنين.

الفريق الأول يضم المختصين في التحليل والبيانات. يتميزون بالدقة، والقدرة على التعامل مع النماذج المعقدة، والغوص في التفاصيل الرقمية.

الفريق الثاني يضم قادة الأعمال. لديهم فهم عميق للسوق والعملاء والتوقيت، ويعتمدون على الخبرة والحس التجاري في اتخاذ القرارات.

المشكلة تظهر عندما يتم تفضيل أحد الفريقين على الآخر.

البيانات دون حكم تجاري تتحول إلى ضوضاء.

والحدس التجاري دون بيانات يتحول إلى تخمين.

التحليلات القائمة على القرار لا تستبدل الإنسان بالخوارزمية، ولا تتجاهل البيانات لصالح الخبرة، بل تضع الاثنين في شراكة حقيقية لخدمة قرار واضح.

الخطر الأكبر: التحليلات القائمة على التفضيل

هناك نمط أكثر خطورة يقع فيه كثير من القادة دون قصد.

يتخذ القائد قرارًا بناءً على قناعة شخصية، ثم يطلب من فريق التحليل إيجاد بيانات “تدعم” هذا القرار. يتم اختيار الأرقام، وبناء الرسوم، وصياغة الاستنتاجات بما يتماشى مع القرار المسبق.

هذا ليس تحليلًا، بل تحيز تأكيدي مغلف بلغة علمية.

هذا النهج مكلف، ومضلل، ويخلق شعورًا زائفًا بالثقة. أما النهج القائم على القرار الحقيقي، فيبدأ بسؤال مفتوح، لا بإجابة جاهزة.

ليس كل قرار يستحق التحليل

من أكثر الأخطاء شيوعًا إهدار الجهد التحليلي على قرارات لا تأثير حقيقي لها.

قبل البدء بأي تحليل، يجب اختبار القرار عبر ثلاثة معايير أساسية:

أولًا، التحكم: هل نملك فعليًا القدرة على تنفيذ هذا القرار؟

ثانيًا، الجدوى: هل القرار قابل للتنفيذ من حيث التكلفة والمخاطر والقدرات المتاحة؟

ثالثًا، الأثر: هل سيؤدي هذا القرار إلى تغيير ملموس في المؤشرات الرئيسية للأداء؟

إذا لم ينجح القرار في اجتياز هذه المعايير، فهو ببساطة لا يستحق استثمار الموارد التحليلية فيه.

قوة السؤال الجيد

فشل كثير من مشاريع التحليل لا يعود إلى ضعف البيانات، بل إلى ضعف الأسئلة.

سؤال عام مثل “كيف نزيد الإيرادات؟” ليس سؤال بيانات، بل سؤال استراتيجي يحتاج إلى تفكير بشري.

أما سؤال مثل “أي شرائح العملاء أكثر قابلية للاستجابة المربحة لحافز محدد؟” فهو سؤال واضح، قابل للتحليل، وقابل للتنفيذ.

الأسئلة الأقوى لا تكتفي بوصف ما سيحدث، بل تستكشف ما قد يحدث إذا قمنا بفعل معين. هذا النوع من الأسئلة يساعد المؤسسات على فهم التأثير الحقيقي للقرارات، وليس فقط قراءة الواقع.

فخ “المزيد من البيانات”

عندما تفشل مبادرة تحليلية، يكون الرد التلقائي هو جمع المزيد من البيانات. المزيد من المتغيرات، والمصادر، والتعقيد.

غالبًا ما يؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية.

المزيد من البيانات لا يعني بالضرورة قرارات أفضل. بل قد يزيد من الثقة الزائفة ويضاعف مخاطر سوء التفسير. كثير من الإخفاقات الكبرى في عالم الأعمال لم تكن بسبب نقص البيانات، بل بسبب الاعتماد المفرط عليها دون رقابة بشرية نقدية.

الدقة لا تأتي من الكم، بل من الصلة بالقرار.

تقبّل عدم اليقين بدلًا من إخفائه

هناك مفارقة مهمة في التحليلات الفعالة.

يجب أن تكون الأسئلة دقيقة،

لكن الإجابات يجب أن تعكس درجة عدم اليقين.

في عالم معقد ومتغير، الأرقام الدقيقة جدًا قد تكون مضللة. النطاقات والتقديرات الاحتمالية أكثر صدقًا، لأنها تكشف الافتراضات وتوضح أين تكمن المخاطر.

صنّاع القرار لا يحتاجون إلى يقين مطلق، بل إلى وضوح حول حدود المعرفة.

البيانات وسيلة، لا غاية

البيانات لا تخلق قيمة بحد ذاتها. القرارات هي التي تفعل ذلك.

المؤسسات التي تنجح في الاستفادة من التحليلات ليست تلك التي تمتلك أكبر كم من البيانات أو أكثر النماذج تعقيدًا، بل تلك التي تُحسن اختيار القرارات المهمة، وتطرح الأسئلة الصحيحة، وتدمج الخبرة البشرية مع التحليل الذكي.

أن تكون مؤسسة قائمة على القرار لا يعني التخلي عن البيانات،

بل يعني أخيرًا استخدامها للغرض الذي وُجدت من أجله:

مساعدة القادة على اتخاذ قرارات أفضل، بوعي، وباتجاه واضح.

Leave a Reply