في عالم اليوم، تغمر المؤسسات كميات هائلة من البيانات أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، ومع ذلك ما زال كثير من القادة يشعرون بعدم اليقين تجاه القرارات التي يتخذونها.
المشكلة ليست في حجم البيانات ولا في تطوّر التقنيات المستخدمة، بل في حقيقةٍ بسيطة غفل عنها الكثيرون: البيانات لا تكتسب قيمتها إلا عندما تخدم قرارًا واضحًا ومحددًا.
في المؤسسات الحديثة، يمكن تقسيم العاملين في مجال البيانات إلى نمطين من المفكرين:
المحللون “الغواصون” الذين يستمتعون بالتعمق في البيانات، واكتشاف الأنماط، وتجريب النماذج الرياضية؛
والمديرون “العداؤون” الذين يركّزون على السوق، وسلوك العملاء، والنتائج التجارية المباشرة.
الأول يريد الفهم الكامل لكل تفصيل، والثاني يسعى إلى تحقيق الحركة والنتيجة. وكلاهما مهم، لكن المشكلة تبدأ عندما تميل المؤسسات أكثر من اللازم نحو التحليل دون الفعل، فتصبح غارقة في البيانات دون أن تحقق أثرًا فعليًا.
حين تفقد البيانات هدفها
الكثير من مشاريع التحليلات تبدو رائعة في الشكل، لكنها تفتقر إلى الجوهر العملي.
تستثمر الشركات ملايين الريالات في بناء لوحات تحكم متقدمة وأنظمة تعلم آلي، لكنها في النهاية لا تحصد سوى تقارير جميلة بلا قرارات مؤثرة.
إنها كمن يبني جسرًا هندسيًا مذهلًا، لكنه لا يصل إلى أي ضفة.
جزء من المشكلة هو الاعتقاد السائد بأن الحكم البشري غير موثوق، وأن الخوارزميات وحدها كفيلة باتخاذ القرار الصحيح. في المقابل، تظهر ظاهرة معاكسة تُعرف بـ”التحليلات الموجهة بالتفضيل”، حيث يقرر القادة مسبقًا ما يريدون سماعه، ثم يبحثون عن بيانات تدعم قناعتهم. النتيجة ليست ذكاءً، بل تحيزًا مؤكدًا مغلفًا بمظهر علمي.
التحليلات الموجهة بالقرارات: نموذج أكثر نضجًا
التحليلات الموجهة بالقرارات تقدّم نهجًا مختلفًا وأكثر فاعلية.
فبدلًا من البدء بالبيانات، تبدأ العملية بالقرار ذاته.
ما القرار الذي نحتاج إلى اتخاذه؟ ما البدائل الممكنة؟ ما نوع المعلومات التي يمكن أن تجعل أحد الخيارات أكثر تميزًا من الآخر؟
فقط بعد الإجابة على هذه الأسئلة، تبدأ مرحلة جمع وتحليل البيانات.
بهذا التوجه، لا تصبح البيانات هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتمكين اختيارٍ استراتيجي واعٍ.
الوضوح في القرارات قبل التحليل
الانطلاق من القرار أولًا يتطلب انضباطًا إداريًا ووضوحًا في التفكير.
غالبًا ما يلوم القادة فرق التحليل على فشل التقارير في الإقناع، لكن الحقيقة أن السبب يعود إلى غياب تعريف دقيق للقرار المطلوب دعمه.
لا يمكن لأي محلل أن يقدم رؤى ذات معنى إذا لم يتم تحديد ما هي الخيارات المطروحة وما الذي يُراد تحقيقه منها.
الخطوة الأولى هي تحديد خيارات القرار الفعلية، لا أهداف عامة ولا رغبات واسعة.
على سبيل المثال، إذا كانت شركة تصنيع سيارات ترغب في تحسين جودة الصوت داخل المقصورة، فإن التفكير التقليدي سيقود الفريق نحو خبراء الصوتيات فقط، بينما التفكير الموجّه بالقرار قد يشمل مهندسي المحركات والاهتزازات لاكتشاف حلول مبتكرة لم تكن في الحسبان.
صياغة الأسئلة الصحيحة
القرارات القوية تبدأ بأسئلة دقيقة.
سؤال مثل “كيف نزيد الإيرادات؟” سؤال واسع وغير قابل للتحليل العملي.
أما “أي فئة من العملاء ستحقق أكبر عائد إذا أضفنا خطة اشتراك جديدة؟” فهو سؤال محدد، قابل للقياس، ويمكن ترجمته إلى تحليل قابل للتنفيذ.
كما يجب التمييز بين نوعين من الأسئلة:
- الأسئلة التنبؤية: تركز على ما قد يحدث بناءً على الأنماط السابقة.
- الأسئلة الاحتمالية المقارنة: تدرس ما الذي سيحدث إذا اختارت المؤسسة مسارًا معينًا بدلاً من آخر.
النوع الثاني أكثر صعوبة، لكنه أكثر فائدة لأنه يساعد القادة في اختيار الاتجاه الأفضل، لا مجرد توقع المستقبل.
الذكاء في اتخاذ القرار: توازن بين الحدس والدليل
التحليلات الموجّهة بالقرارات لا تهدف إلى استبدال الحكم البشري بالبيانات، بل إلى تمكينه.
إنها تمزج بين التحليل الرياضي والدراية البشرية، وتحوّل العلاقة بين الإنسان والآلة من منافسة إلى شراكة.
فالبيانات تمنح الوضوح، لكن القيادة تضيف المعنى.
عندما تتبنى المؤسسات هذا النموذج، تتراجع حالة الإغراق في التقارير، وتتحول الاجتماعات من نقاشات حول الأرقام إلى حوارات حول الخيارات والاستراتيجيات.
وتصبح القرارات أكثر دقة، والثقة في النتائج أعلى، والاتجاهات أوضح.
الختام: من الكم إلى القيمة
في عالمٍ يغرق في البيانات، النجاح الحقيقي لا يُقاس بكمية المعلومات التي تمتلكها المؤسسة، بل بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرارات واعية وقابلة للتنفيذ.
التحليلات الموجّهة بالقرارات تعيد البوصلة إلى مكانها الصحيح، لتذكّرنا أن التكنولوجيا مهما كانت متقدمة، تظل خادمةً للعقل البشري لا بديلًا عنه.
في النهاية، المؤسسات التي ستتفوّق في عصر الذكاء الرقمي هي تلك التي تتقن فن التوازن بين التحليل والاختيار، البيانات والحكمة، التقنية والبصيرة.



