Skip to main content
search

في عصرٍ تتسارع فيه المتغيرات الرقمية وتزداد فيه المنافسة العالمية، لم يعد التحول الرقمي خيارًا أو مشروعًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية لبناء مستقبل مستدام واقتصاد متنوع قائم على المعرفة.

وفي هذا المشهد الديناميكي، برزت تجربتان وطنيتان رائدتان تقفان في صدارة التحولات التقنية والإدارية: المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة.

ورغم تباين السياقات واختلاف المسارات، إلا أن الهدف واحد: تسخير التقنية لخدمة الإنسان، وصناعة واقعٍ أكثر وضوحًا وكفاءة واستدامة.


المملكة المتحدة: التحول من الخدمة إلى التجربة

قبل عقدٍ من الزمن، واجهت الحكومة البريطانية تحديًا جوهريًا تمثل في تشعب أنظمتها وضعف كفاءة خدماتها الرقمية. فجاء الردّ عبر تأسيس الخدمة الرقمية الحكومية (GDS)، التي أعادت تعريف معنى الابتكار الحكومي من خلال فلسفة بسيطة:

ابدأ صغيرًا، جرّب بسرعة، وكرر حتى تصل إلى الكمال.

كانت البداية مع إطلاق منصة GOV.UK، التي جمعت مئات المواقع الحكومية المتفرقة في منصة واحدة موحدة، صُممت بلغة بسيطة وتجربة استخدام مريحة للمواطنين.

هذا التحول لم يكن في التكنولوجيا فقط، بل في الثقافة المؤسسية أيضًا؛ إذ تحولت الحكومة من نهج بيروقراطي معقد إلى بيئة عمل تعتمد على فرق صغيرة، مرنة، وسريعة القرار.

ومن خلال هذا النهج، أعادت بريطانيا تعريف مفهوم التحول الرقمي الحكومي ليصبح نموذجًا عالميًا يُحتذى به، يقوم على الشفافية، والمساءلة، والتطوير المستمر.

لقد أثبتت أن التقنية ليست الهدف بحد ذاتها، بل وسيلة لفهم السلوك الإنساني وتحسين التجربة العامة.


المملكة العربية السعودية: قيادة الرؤية وتسريع المستقبل

أما في المملكة العربية السعودية، فقد انطلقت رحلة التحول الرقمي من منطلقٍ أعمق: رؤية وطنية شاملة لبناء اقتصاد رقمي متكامل.

من خلال رؤية المملكة 2030، تحوّل الابتكار الرقمي إلى ركيزة أساسية لإعادة تشكيل الدولة الحديثة، وتعزيز جودة الحياة، وتمكين الإنسان قبل التقنية.

تحت مظلة هيئة الحكومة الرقمية، تم توحيد السياسات والمنصات الحكومية ضمن إطار “حكومة رقمية موحدة”، تهدف إلى التكامل بين الجهات وتبسيط الإجراءات وربط الأنظمة عبر بنية تحتية ذكية تعتمد على البيانات المشتركة.

منصات مثل أبشر ونفاذ أصبحت جزءًا من حياة الناس اليومية، تُجسّد السهولة والموثوقية والانسيابية في التعاملات الحكومية، بينما تمثل مشاريع مثل نيوم وذا لاين نموذجًا عالميًا لمدن رقمية تُبنى من الصفر على أسس الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتحليلات البيانات الضخمة.

لقد نجحت المملكة في أن تجعل التقنية جزءًا من رؤية حضارية شاملة، لا تقتصر على الخدمات، بل تمتد إلى الاقتصاد، والتعليم، والطاقة، والبيئة، والمجتمع، مما جعلها في مصاف الدول القائدة عالميًا في مجال التحول الرقمي والتنمية المستدامة.


رؤية مشتركة… مختلفة في الشكل، واحدة في الجوهر

رغم اختلاف المنهج بين المملكتين، إلا أن كليهما أثبت أن التحول الرقمي لا يُبنى بالتقنيات فقط، بل بالقيادة والإرادة والإيمان بالإنسان.

فالمملكة المتحدة تمثل نموذج “التحول من الأسفل إلى الأعلى” القائم على التجربة والتحسين المستمر، بينما تمثل المملكة العربية السعودية نموذج “التحول من الأعلى إلى الأسفل” القائم على الرؤية والسرعة والتنفيذ الشامل.

لكن خلف هذين النموذجين، تتلاقى مبادئ واضحة:

  • القيادة الاستراتيجية: التحول الرقمي مشروع دولة لا إدارة.
  • الفرق المرنة: الكفاءات الصغيرة قادرة على إحداث تغييرات كبيرة.
  • التحسين الدائم: لا يوجد خط نهاية للتحول الرقمي، بل رحلة مستمرة من التعلم والتطوير.
  • الإنسان أولاً: التقنية وسيلة، لكن الهدف هو خدمة المواطن وتحسين جودة حياته.

دروس من المملكتين للعالم بأسره

ما بين لندن والرياض، تتلاقى الرؤيتان لتشكّلا قصة نجاحٍ عالمية في كيفية بناء مستقبلٍ رقمي قائم على الثقة والمعرفة.

المملكة المتحدة تقدم درسًا في الاستدامة عبر التصميم والتجريب، والمملكة العربية السعودية تقدم مثالًا في الطموح والرؤية والتسارع نحو المستقبل.

وفي النهاية، تُثبت التجربتان أن الثقة هي رأس المال الحقيقي للتحول الرقمي، وأن أعظم الأصول ليست في الأكواد والأنظمة، بل في العقول والقيادات التي ترى التقنية كأداة للتمكين لا غاية في ذاتها.

ومن فوق السُحُب، تلتقي الرؤى وتُبنى الحلول ويُكتب المستقبل…

مملكتان، لكنهما تسيران برؤية واحدة للتحول الرقمي وصناعة الغد.

Leave a Reply